السيد كمال الحيدري
24
المدارس الفلسفية في العصر الإسلامي
من معطيات البحث الأوّل لا يمكن إثباتها للآخرين . على هذا الأساس قد تختلف المدارس بعضها عن بعض في البحث الأوّل - وأعني به الطريق الموصل لتكوين رؤية كونية في المسائل الأساسية المطروحة أمام الإنسان - ولكن هذا لا يعني أنّ الأسلوب الذي تتبعه هذه المدارس للحوار العلمي فيما بينها يختلف أيضاً ، بل قد تكون متّفقة في الأسلوب الذي تتبعه في البحث الثاني ، وأعني به المنهج المتّبع لإيصال الحقائق إلى الآخرين . فمثلًا نجد أنّ الأسلوب العقلي الذي يعتمد من حيث الهيئة والصورة القياس الأرسطي ، ومن حيث المادّة والمحتوى اليقينيات الأرسطية - وهو القياس البرهاني المنتج للنتيجة اليقينية من بين الأقيسة - قد تتّفق مجموعة من المدارس الفكرية لاتّباعه فيالبحث الثاني وإن كانت هذه المدارس مختلفة فيما بينها في البحث الأوّل ، لأنّ لكلّ منها طريقتها الخاصّة للوصول إلى الكشف عن حقائق الأشياء . وهذا ما نجده واضحاً في المدرسة المشّائية والإشراقية والحكمة المتعالية ، فإنّها متّفقة جميعاً في اتّباع المنهج العقلي - وإن كان بدرجات متفاوتة - في البحث الثاني ، وإنّما وقع الاختلاف الكبير فيما بينها في البحث الأوّل ، وربما اطردت هذه القاعدة في العرفان النظري وعلم الكلام أيضاً . فعندما نتكلّم عن المدارس والمسالك المختلفة التي وجدت على مسرح الفكر الإنساني لتكوين هذه الرؤية الكونية أو تلك ، إنّما ينحصر حديثنا في المقام الأوّل من البحث ، وهو السبيل للوقوف على حقائق